هل الحرب باتت وشيكة ... تحليل سياسي

مركز الخليج GIC

13/11/2007

دأبت الحكومة الإرترية ومنذ توقيع اتفاقية الجزائر للسلام على إطلاق التصريحات والبيانات المنددة والمحذرة من تجدد المواجهات العسكرية على الحدود بين إرتريا وإثيوبيا ، إلا انه في الآونة الأخيرة اتخذت تصريحات الحكومة الإرترية إيقاع غير اعتيادي حيث صدرت خلال أسبوعين فقط أربع بيانات حكومية تحذر من إن إثيوبيا بصدد القيام بغزو عسكري لإرتريا خلال نوفمبر الجاري  وفي ذات السياق قامت مجموعة ألازمات الدولية (وهي منظمة مستقلة غير ربحية تهدف إلي حل النزاعات من خلال التقارير الميدانية الموجهة إلي قيادات المجتمع الدولي ) بإصدار تقرير احتوى على 12 صفحة خلص إلي إن الحرب بين إرتريا وإثيوبيا ستندلع خلال نوفمبر الجاري ، ولان معظم المهتمين دأبوا على أن يتجاهلوا وسائل الإعلام الحكومية والاعتماد على المصادر المستقلة لاسيما وان كان المصدر منظمة مرموقة مثل (مجموعة الأزمات الدولية) صدرت الكثير من ردود الأفعال حيال الوضع المتأزم بين إرتريا وإثيوبيا حيث عبر بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة عن قلقه البالغ من التوتر على الحدود كما حثت واشنطن على لسان المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية كل من إرتريا وإثيوبيا على ممارسة أقصى درجات ضبط النفس ودعت الدولتين إلى تجنب القيام بأي عمل من شأنه أن يزيد من حدة التوتر أو يعيد تفجير النزاع .

 

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو ، هل فعلا إن الحرب باتت وشيكة ؟ الكثير من المراقبين يؤكدون إن ما ضل يردده الإعلام الحكومي الإرتري من مقولات مثل إن "الحرب باتت قاب قوسين أو ادني  " قد تستخدم لغايات سياسية أخرى تخدم الحزب الحاكم الذي استطاع أو نجح منذ العام 2000 في حبس أنفاس الشعب الإرتري في الداخل والخارج بحديثه الدائم عن احتمال وقوع الحرب وذالك لتحقيق مصالحه المتمثلة في مواصلة التعبئة العامة وحتى لا يكون أمام الشعب الإرتري ثمة مناص من رمي أي أراء أو دعوة للإصلاح خلف الظهور والتأقلم مع ظروف مستجدات فرضها هو بنفسه .

وحول تقرير مجموعة ألازمات الدولية الذي خلص إلي احتمال اندلاع المعارك خلال أسابيع أشار الكثير من المهتمين بالشأن الإرتري انه لا يمكن الاعتماد على هذا التقرير بشكل كامل وذلك لثلاث اعتبارات ، أولا ما نشره موقع عواتي - في تحليله السياسي- من إن التقرير ساهم في صياغته وإعداده عندي برهان ودقرقيس سفير إرتريا السابق في الاتحاد الأوربي باعتباره كبير مستشاري المنظمة في كينيا حيث يؤثر عن هذا الرجل  انه أحد الذين لديهم سجل تاريخي حافل في تضخيم مخاطر الحرب منذ إن كان مفوضا من قبل الحكومة الإرترية للتنسيق مع بعثة الأمم المتحدة في إرتريا ورغم انه انسلخ من الحزب الحاكم واتجه للعمل في المنظمات الغير الحكومية إلا انه لم يتبرأ حتى الآن من النظام الإرتري كما انه لم يظهر ندما البتة على مشاركته في تكوين هذه الحكومة الاستبدادية بالإضافة إلي انه يعتبر احد الذين ساهموا بشكل كبير في تكوين مجموعات (هيزباوي ميكتت) في أوروبا إبان وجوده هناك والتي كان الهدف منها تحويل انتباه شعب المهجر عن المطالبة بالديمقراطية والحريات والكشف عن ما يسمى بأعداء إرتريا في الداخل والخارج، وعليه ليس من المستبعد إن شخصا يحمل هذا السجل التاريخي أن يخدم ذات الأغراض وإن كان عبر وسيلة أخرى ، أما الاعتبار الثاني فيتمثل في الخطاب الذي بعثة تكيدي اليمو وزير الإعلام الإثيوبي لمجموعة الأزمات الدولية والذي خلص إلي إن تقرير المنظمة تضمن أخطاء تاريخية قاتلة وتلوين سياسي محرف للكثير من الأحداث مما يدل على إن التقرير تم إعداده بطريقة غير حيادية وغير وموضوعية وانه صيغ بطريقه تخدم مصلحة الحكومة الإرترية وهذا يؤكد ما ذهب إليه تحليل عواتي من أن عندي برهان ساهم بشكل كبير في إعداد التقرير . أما الاعتبار الأخير فيتمثل في التوقيت الذي صدر فيه التقرير والذي يؤكد مما لا يدعو مجالا للشك إن التقرير أريد به خدمة مصالح الحكومة الإرترية فإذا قمنا باستقراء بسيط  نرى إن التقرير صدر يوم 5 نوفمبر وسبقه تصريحين من الإعلام  الإرتري وتلاه مباشرة تصريحين آخران يحذران من اندلاع الحرب خلال هذا الشهر , وبعملية حسابية بسيطة نخرج بحصيلة مفادها إن تقرير مجموعة ألازمات الدولية لا يعدو كونه حلقة - بالوكالة- من سلسلة حلقات التصعيد الإعلامي التي تنتهجها الحكومة الإرترية  هذا إن لم يكن تصريحا إرتريا خالصا .

وحول ما أعلنته اسمرا في 6 نوفمبر نقلا عن استخبارات غربية من إن الإدارة الأمريكية سوف تقوم بتأمين الصومال بقوة افريقية خلال أسبوعين ليتسنى لإثيوبيا تفادي الحرب على جبهتين أكد المراقبين استحالة هذه الخطوة معنا ومضمونا ، إذ إن كل الحكومات لا تمكن أن ترسل قواتها دون مناقشة تمتد لأسابيع عديدة إن لم تكن شهورا , وان افترضتا هذا جدلا على استحالته فإمكانيات الحكومات الإفريقية العسكرية لا تسمح لها بالانتشار خلال أسبوعين والقيام بالعمليات اللجوستيه من إحلال و حلول محل  القوات الإثيوبية وهذه الإجراءات العسكرية لا تخفى على أي مراقب ناهيك على أن تفوت على الحكومة الإرترية  مما يدل انه مجرد استهلاك دعائي لا أكثر كما إن الصحفي الذي كتب  التقرير لصحيفة لوموند الفرنسية الذي نقل عنه موقع شابيت  هذه المعلومات نفى بشدة ما ذكره شبايت على لسانه ، إضافة إلي ذلك  قرار شن الحرب ليس بيد رئيس الوزراء الإثيوبي أو الحكومة الإثيوبية فقط , فهناك مؤسسات تشريعية وسياسية لابد من اخذ رأيها وموافقتها في مثل هذه القضايا والكل يعلم الصعوبات الجمة التي واجهت استصدار قرار موافقة من البرلمان الإثيوبي للدخول للصومال ، ولا يستبعد إن يتكرر الموقف مع إرتريا ويأخذ نفس الدورة الزمنية والتي قد تمتد لشهور ، وعليه فأن خيار اندلاع الحرب مستبعد من الناحية العملية تماما على الأقل خلال الثلاثة الشهور القادمة .

وحول الهدف من التصعيد الإعلامي التي انتهجته الحكومة الإرترية مؤخرا أرجع كثير من المهتمين بالشأن الإرتري إلي إن التصعيد بالدرجة الأولى هو محاولة للتأثير على مداولات مجلس الأمن المرتقب انعقادها في الأسبوع المقبل من هذا الشهر والتي ستتطرق إلي مسألة النزاع الحدودي الإرتري الإثيوبي بالإضافة إلي صرف النظر عن الوضع المزري داخليا على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي ومواصلة للتعبئة العامة التي تدر مالا للحزب الحاكم عبر التبرعات والهبات من إرتريي المهجر ، ومحاولة يائسة لتوحيد الجبهة الداخلية بعد أن تفاقم النزاع بين جنرالات افورقي العسكريين والأمنيين .